هشام جعيط

139

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

- 9 - التخطيط والتطور اللاحق ستنمو الكوفة فعلا وسيكون نموها موفقا . كان التخطيط الأول بمثابة النواة التي عملت على إملاء الاتجاه الذي سيكون عليه التطور المقبل . إلا أنها كانت نواة شديدة الهيكلة . أن تكون الكوفة نموذجا للأمصار فهذا مما لا يدخله الشك : الأمصار أي ذاك الجيل الأوّل من التجمعات العربية التي قامت خارج بلاد العرب ، فقامت بدور المراكز العسكرية والسكنية الكثيفة ، وكانت قطبا للتعريب في البلاد التي أقيمت بها كما للأسلحة ، ولأسلمة العرب قبل غيرهم . ولكن وفوق هذا ، هل كانت الكوفة نموذجا للمدينة الإسلامية المقبلة كما شكلت مظهرها في العصور التالية ، وكما حافظت عليه إلى حدود زمن قريب منا ؟ أي ذلك النمط الأصلي المتعلق بخصوصية المدينة الإسلامية من وراء تنوعها في المكان والزمان ؟ هذا سؤال ينبغي طرحه لا محالة بمتضمناته المتعددة . وهذا واحد منها يخص إلى حد بعيد بنية المجال الذي نجتهد محاولين الإحاطة به . لقد أتيح لشكل المدينة العربية المعهود في العصر الذهبي وما تلاه ، أن يظهر بصفة مكثفة وغير منتظمة وملتوية وفوضوية . كان مكتظا بالأزقة والسكك الصغرى الضيقة . فمن كان يتحمل أعظم مسؤولية في هذا التغيير ، أهو التطور التاريخي اللاحق ، أم البنية الأصلية المجالية في المدينة العربية ؟ إن ما يهمنا في هذا المقام هو التخطيط الأولي ، فما عسى أن تكون اختلالاته الممكنة ؟ الأمر الثابت أن هذا التخطيط كان منتظما أكثر ما يكون الانتظام وكان بمقدوره أن يخلّف حاضرة منشرحة ، هندسية الشكل ، لو وقع الاستمرار في مراقبتها خلال نموها ، كما كان الأمر عند نشأتها ، ولو استمرت تنمو بموجب اتجاهها الأول ، وهو اتجاه الطول ، بمعنى أن يكون هناك امتداد لا نهاية له ، لا أن يكون هناك تكديس . ولا نستبعد أن يكون حدث التطور بالطريقتين معا . فقد تطورت الكوفة في اتجاه الغرب على امتداد كيلومترات كثيرة ، مع العلم أن الناس انهمكوا في ملء النواة الأصلية ( المركز والخطط ) إلى حد الضغط . ومع